الشوكاني
19
فتح القدير
يوعدون ) وعد الصدق مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة ، لأن قوله ( أولئك الذين نتقبل عنهم ) الخ في معنى الوعد بالتقبل والتجاوز ، ويجوز أن يكون مصدرا لفعل محذوف . أي وعدهم الله وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به على ألسن الرسل في الدنيا . وقد أخرج أبو يعلي وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه عن عوف بن مالك الأشجعي قال : " انطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم ، فكرهوا دخولنا عليهم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلا منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يحط الله تعالى عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه ، فسكتوا فما أجابه منهم أحد ، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد ثلاثا ، فقال : أبيتم فوالله لأنا الحاشر ، وأنا العاقب ، وأنا المقفي آمنتم أو كذبتم ، ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج ، فإذا رجل من خلفه فقال : كما أنت يا محمد فأقبل ، فقال ذلك الرجل : أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود ، فقالوا ، والله ما نعلم فينا رجلا أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك ولا من أبيك ولا من جدك ، قال : فإني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل ، قالوا كذبت ، ثم ردوا عليه وقالوا شرا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كذبتم لن يقبل منكم قولكم ، فخرجنا ونحن ثلاثة ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا وابن سلام ، فأنزل الله - قل أرأيتم إن كان من عند الله - إلى قوله - لا يهدي القوم الظالمين " وصححه السيوطي . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام ، وفيه نزلت - وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله - . وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال : نزل في آيات من كتاب الله نزلت في - وشهد شاهد من بني إسرائيل - ونزل في - قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب - . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ( وشهد شاهد من بني إسرائيل ) قال . عبد الله بن سلام ، وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين . وفيه دليل على أن هذه الآية مدنية فيخصص بها عموم قولهم إن سورة الأحقاف كلها مكية . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : قال ناس من المشركين نحن أعز ونحن ونحن ، فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان ، فنزل ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) . وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال : كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله : يقال لها زنيرة ، وكان عمر يضربها على الإسلام ، وكان كفار قريش يقولون : لو كان خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة ، فأنزل الله في شأنها ( وقال الذين كفروا ) الآية . وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " بنو غفار وأسلم كانوا لكثير من الناس فتنة ، يقولون لو كان خيرا ما جعلهم الله أول الناس فيه " . وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزل قوله ( ووصينا الإنسان بوالديه ) الآية إلى قوله ( وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) في أبي بكر الصديق . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال : إني لصاحب المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك . فقلت لعمر : لم تظلم ؟ قال كيف ؟ قلت اقرأ - وحمله وفصاله ثلاثون شهرا - والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين - كم الحول ؟ قال سنة ، قلت : كم السنة ؟ قال اثنا عشر شهرا ، قلت : فأربعة وعشرون شهرا حولان كاملان ، ويؤخر الله من الحمل ما شاء ويقدم ما شاء ، فاستراح عمر إلى قولي . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أنه كان يقول : إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع